حروف تبحث عن نقاط:عن مجانين السلطة، مجانين العشاق
استاذ/عباس الديلمي
استاذ/عباس الديلمي

ما عرفناه بالتجربة، هو أن العربي يصاب بالجنون في حالتين، عندما يجلس على كرسي السلطة- بكل أنواعها ودرجاتها- وعندما ينازعونه تلك السلطة أو يُزاح منها- وفي هذه الحالة تكون درجة الجنون اشد من الأولى- ولكم كان الشاعر الكبير نزار قباني متواضعاً عندما سألوه عن الحكام العرب فقال: كل عشر سنوات يأتينا مجنون:
المهم هذا ما عرفناه بالتجربة، إن كثيراً من العرب- ان لم نقل جميعهم- والنادر لا حكم له، إذا ما وصل إلى السلطة وتنامت فيه شهوتها يُجن- اي يصاب بالجنون- وما على من يشك في ذلك إلا أن يقرأ سير الملوك والرؤساء والقادة وذوي النفوذ، منذ كانت للعرب دولة- بمعنى الدولة- اي منذ العصر الاموي الى عصرنا هذا، وسيجد الشواهد العديدة على ما نقول.
هذا ما تأكدنا منه ولكن ما نحن بحاجة إلى التأكد من صحته، قبل التسليم النهائي به، هو هل صحيح ان العربي اذا ما احب بشغف وبلغ به الحب مرحلة العشق بكل معانيها، يصاب بالجنون وفقدان التوازن؟!
من يقولون بهذا الرأي يستشهدون بمن اصطلح على تسميتهم بمجانين العشاق العرب، مثل “مجنون ليلى” و”مجنون بثينة” ،و”مجنون عزة” و”مجنون ريا”، و”مجنون عفراء”، ويمكنني الاسترسال في الاسماء الى أن اصل الى “مجنون...” وغير وغيره.
وهذا ما يحتاج إلى المزيد من التقصي والتتبع او ما نسميه بالاستقراء.. حتى نتأكد من صلة الجنون بالعشق العذري عند العربي، كما تأكدنا من صلة الجنون بالسلطة والنفوذ عند العربي أيضاً..
اترك الامر لذوي التخصص الاعمق كعلماء النفس الاجتماعي، ومنهم اكثر دراية بأثر المراهقة المبكرة والمراهقة المتأخرة عند الانسان.. واود هنا ان اشير الى ما اصطاده خاطري وانا اتامل هذا الامر، حيث بدت لي امور منها، إن العربي يصاب بالجنون اذا ما تعلق في عشقه بشيء بعينه، فكما يصاب السياسي او السلطوي او المتنفذ بالجنون لأنه عشق شيئاً بعينه اي لا ثاني له، وهو التسلط بكل مكاسبه ونفوذه، فان من يصابون بالجنون بسبب الحب الإنساني او عشق الحبيب- كمن ذكرناهم- يصابون بذلك للسبب ذاته، اي انه تدرج في حبه حتى بلغ مرحلة العشق، في معشوقه واحدة لا سواها.. بدليل ان مجانين العشاق مثل قيس ليلى، وجميل بثينة، وقيس لبنى.. الخ قد تعلق بمعشوقة واحدة ففقد عقله وتوازنه، عكس اقرانهم من العشاق الذين تعلقوا بأكثر من عشيقة امثال عمر بن ابي ربيعة، والعباس بن الاحنف، وابو نواس، وبشار بن برد..الخ اذ لم يصب احدهم بالجنون، لانه تعلق باكثر من عشيقة، او لان قلبه اتسع لاكثر من حسناء وجميلة، انها مجرد خاطرة تقودنا الى السؤال القائل لماذا يجن من عشق سلطة او كرسي بعينه، ومن عشق حبيبة بذاتها ولم يصب بالجنون من اتسع قلبه لاكثر من عشيقة وحبيبة؟ بعبارة ادق نجد ان من يعشق السلطة ويسعى اليها في البلدان الديمقراطية- الحقة- قد عشق بجانبها دخول التاريخ، ومجد الانجازات، والمآثر التي تحسب له..الخ فيتجنب الاصابة بجنون السلطة، عكس من يعشق السلطة لذاتها.. ويغرق فيما اسماه الفيلسوف اليوناني افلاطون بشهوة السلطة، اي يكون عرضة للجنون شأنه شأن المجانين من العشاق او الحب العذري عند العرب.
اكتفي بهذا ويمكن القول كمن يقول.. وللقصة بقية، والخلاصة اننا نعجب بمجانين الهيام العذري ونمقت مجانين السلطة.
مجنون ليلى هو قيس بن الملوح، ومجنون عزة هو كثير، ومجنون لبنى هو قيس بن ذريح، ومجنون عفراء هو عروة بن حزام، ومجنون ريا هو الصمة القشيري.. اما المجنون الذي لم اذكر اسم عشيقته واكتفيت بالنقط، فهو زميلي في الدارسة عبدالله الذي احرق نفسه احتجاجاً على الحيلولة بينه وبين زواجه ممن عشق «رحمه الله».


في الثلاثاء 12 نوفمبر-تشرين الثاني 2019 09:00:04 م

تجد هذا المقال في 26سبتمبر نت
https://26sept.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://26sept.com/articles.php?id=7417